Drafts

“مُتحدين نَقف .. مُتفرّقين نسقُط!”

 

image

الجُملة التي قالها الشقيري هيَ الّتي فتحت في بالي آفاق عدّة وأيقظت بعض الأسئلة.

مُقرّين بأنّ التعايش مطلبٌ أساسيّ إن كنّا نريد أن نعيش عصر نهضة جديد، لكنّ السؤال 

الأهم هو ما حدود هذا التّعايش؟ وجُملة “عصر النهضة” تُعيدني إلى موضوعٍ أُثير قبل فترة

 وقرأتُ عنهُ القليل،  وهو “المذهب الإنساني” الّذي هوَ-كما قرأت- رائع في كثير من الأمور،

“لو” أخذت في غير هدفها الّذي يُراد منه في هذه الفلسفة. فمن أكبر عيوبها أنّها اتخذت 

الإنسان هوَ المحور الأساسي في هذا العَالم بحيثُ يُنكر الدين وتُسيّر كلّ الأمورِ على حسبِ 

هواه وإيمانهِ بها، فيُلغى الدين. ومُسبب انتشار هذه الحركة هوَ سيطرة الكنيسة على

 إنسانِ تلك الفترة وتقييده بها فأنشئت هذه الحركة لتتخلص من هيمنة حكم الكنيسة. 

أظنّ بأنّي لو بحثتُ عن هذا المذهب أكثر فمنَ المؤكدِ أن أجد رابطا عميقا  بينها وبينَ الحركة 

الليبرالية. 

 المهمّ :) ما أخذني لأعماق هذه الفلسفة هي حدود التعايش؟ كيف نتعايش بدون أن 

نتخذ هذا المذهب شعارا لنا؟ وهل يصحّ ذلك؟ كيف أجمعُ بين يقيني بأنّ حُكمي على الفرد

 “أيا كان جنسهُ أو لونهُ أو دينه”  وبينَ المذهب الّذي يقول بأنّ الدّين لا علاقة لهُ بالحياةِ عمومًا؟

وَ { لَا تَجِد قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّه وَرَسُوله وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ 

أَوْ إِخْوَانهمْ أَوْ عَشِيرَتهمْ }،  ماهيَ حدودُ الموادّة الّتي لا تُخرجني عنِ الإيمان؟  

لازلتُ أفكّر ولم أجد جوابًا شافيًا. 


 

ألا تَرونَ في كثيرٍ من الأحيان أننا نُشبهُ صَاحبَ الجنّةِ الّذي ” قَال مآأظنّ أن تَبيدَ هَذهِ أبدا ” ؟ بالطّبعِ لن نقولها علنًا و لن نؤمنَ بها مُؤكدًا لأنّه ولله الحمد عقائدنا بإذنِ الله صحيحة وموقنة بأنّ ” كلُّ من عَليها فَان ” .. لكن أنستطيعُ أنكار ذلك بـ ” تصرّفاتنا ” ؟

نَجمعُ المال .. كأنه سيبقى أبدا

نهتمّ بالصّداقات .. كأنّها ستبقى لنا أبدا

نُرفّه أجسادنا .. كأنّها ستعيشُ لنا أبدا

و و و … القائمة تَطول بما نَعمل و نظنّ بأنّه سيخلّد ولن يُباد أبدا !

نُقطةٌ أخرى هيَ أشدّ وطأةً مما قبلها ؛ عندما قالَ صاحبُ الجنّة ” ولَئن رُددتُ إلى رَبّي لأجدنّ خيرًا منهَا مُنقلبا

لأوّل وهلةٍ ستقرؤونَ ذلكَ وتقولون – حاشا للهِ أن نُفكّرَ بذلك !! – لكنّي أدعوك أن تفكّرَ بمهل .

أن تتركَ العزّة الّتي تتملكنا عندَ الوقوعٍ بـخطأ ؛ أن تتركَ كبرياء الـ أنا الخاصّةِ بك *

وتجيبُ نفسك ؛ هل فكّرتُ يومًا أنني أمنّ على الله بإيماني وأعمالي ؟ هل فكّرتَ يومًا بأنني أستحقّ خيرًا مما لديك ؟

حتّى لو لحظة !

تذكّرتُ الآية الّتي كانت في مَنهجِ حفظنا لهذا الصيف “يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن
هداكم للإيمان إن كنتم صادقين

 

 

كلّ ذلكَ هو دعوةٌ صادقة من قَلبي لكم ؛ دَعونا نترك الكبرياء والعزّة والخوف من النقص .. ولنتفكّر بآياتِ الله في قرآنه وفي خَلقة .

سَنجدُ الكثير .. لو أننا فقط أمعنّا النظر

أطلقوا أرواحكم ، ودعوها تَحلّق دونَ أن تَحملَ معها شيئًا من سَفائف الأمور !

دَعوها سَماويّة .. وادعوا بذلكَ كثيرًا .. ياربّ اجعل قلبي ونفسي وروحي وهمّي سماويًّا !


(4)

” لا تَندم على شيءٍ فعلته إن كُنتَ مؤمن بأنّهُ صَواب ، حتّى وإن لم يُعجب بهِ الآخرين ” كَتبتُ تلكَ العبارة قبلَ أيّام في – كتابِ الوجه – لحظة كنتُ أحتاجُ فيها دعمًا نفسيًّا لي قبلَ أن أقدم على شيء كنتُ مترددةً منه . كُنتُ أؤمنُ بأنّه ماسأفعلهُ صواب لكنّي كنتُ أخافُ ردّةَ الفعل! خصوصًا معَ رقّتي البغيضة جدًا! أترددُ دائمًا في فعلِ أيّ شيء خوفًا من ردّاتِ الفعل الّتي سأجنيها من ذلكَ الفعل . هل يحقّ لي أن ألومَ النّاس في ترددي هذا ؟ أعتقدُ أنّي أستحقّ كلّ مايحصُل معي! لأنّي إن لم أدافع عم ماأؤمنُ به ، فكيفَ أطلبُ من غيري الرّضا به .

لا تَندم على شيءٍ فعلته إن كُنتَ مؤمن بأنّهُ صَواب ، حتّى وإن لم يُعجب بهِ الآخرين
ياربّ ارزقني شجاعةً أكبر وثباتًا بما أؤمنُ بهِ إن كانَ صوابًا ، وإن كانَ الجميعُ يُعارضونه .

 

(5)

 

بما أننا في طور نقل بيتنا فنحنُ نتجوّل على محلّات الأثاث والغرف وما إلى ذلك بصورة يوميّة! بيتنا هذا كان قبل 10 سنين تقريبًا فلم أكن مهمّة عندَ الكبار لمشاركتي تفاصيلَ البناء ، أمّا الآن فإنّي تمنّيتُ أنني لم أعلم ولم يشاركوني ذلك:/ غُرفتي لوحدها كلّفت أهلي حوالي الـ 6 آلاف هذا ونحنُ نحاول أن نقتصد! أهوَ بذخٌ بنا بحيثُ لا نرضى إلّا بصناعةِ البلد الفُلاني و من المحلّ الفُلاني المشهور! أم هيَ مُسايرةٌ سقيمة لعادات المجتمع! لم أهنأ أبدًا بما اشتريته:/ طوال الوقت وأنا أفكّر بمن راتبهُ لا يتعدّى الـ 3 آلاف مثلًا! لمَ لا نستطيع / أستطيع العيش بغرفةٍ متواضعة!

مم بالأمس ذهبتُ إلى بيتنا الجديد لأرى السّرير بعد ما أحضروه ، أوّل ما دخلت إلى البيت رأيتُ العامل قد وضعَ تحت رأسه شيئًا من معدّات البناء وافترشَ الأرض ونام! بلا غطاء بلا وسادة! السّاعة الـ 12 ظهرًا!

أتتوقّعونَ أن نصلَ يومًا لهذا المستوى ونرضى به ؟ أم تمتلأ قلوبنا سخطا ؟

اللهمَ ما أمسى بي من نعمةٍ أو بأحدٍ من خَلقكَ فمنكَ وحدكَ لا شَريكَ لك ، فـلكَ الحمدُ ولكَ
الشكر


 

(1)

تعلّمتُ أن لا أثقَ بأحدٍ غيرَ الله أبدا! وإن كانت كُلّ السّبُل ميسّرة ، وإن كانَ ماأصبو إليهِ مُؤكّدًا . لكنّي إلى حينها يجبُ أن أعلم بأنّه بأمرٍ منهُ سُبحانهُ سينتهي كلُّ شيء إذا اعتددت بالأسبابِ المُيسّرةِ أمامي . حُسنُ الظنّ باللهِ وبالناسِ واجب ، العَملُ بالأسبابِ في الحياة واجب ، لكنّ الثقةَ لا يُمكنُ أن تكونَ لغيرِ الله أبدًا .

 

(2)

اليومَ رأيتُ منظرًا شردّتُ بتفكيري بعيدًا منه ، في بدَايةِ اليومِ في حَلقةِ القرآن بدأت تُذكّرنا المعلّمة ببعضِ الوقفاتِ الّتي تطرّقت إليها الآيات . وهيَ تتكلّم وأنا أنظُر إلى تلكَ الفتاة الّتي شَعرتُ بكمّيةٍ كبيرة من الرّوحانيّة تنبعثُ منها ، أسرتُ لهذا المنظر ! أسرتُ تمامًا . وحزنتُ أكثر لقسوةِ قلبي و عدمِ تأثّري! يالله كم هوَ رائعٌ أن تستشعرَ كلّ كلمةٍ تمرّ بك! أن تهيمَ نفسُكَ في مَلكوتِ السّماواتِ والأرض وأنتَ جالسٌ بينَ صحبك! ياربّ ارزقني .

 

(3)

سُبحانَ الله . عَجبتُ كثيرًا لمّا تأمّلتُ تلكَ الآية ، عجبتُ من دقّةِ وصفِ القرآن لكلّ شيء وأنا لا أعي ذلكَ! مثلًا في الآية الكَريمة : ” ومن آيتهِ الجوارِ في البحرِ كَالأعلام – إنّ يُسكنِ الرّياحَ فيظللنَ رواكدَ على ظَهره ، إنَّ في ذلكَ لآيت لكلّ صَبّارٍ شَكور ” ، أرأيتُم التّناسقَ العجيب! صَبّارٍ شَكور! لمَ كانت تلكَ الصّفتين خُصوصًا في تلكَ الآية ؟ تخيّل نفسكَ في سَفينةٍ وسكنت الرّيحُ فلنقل مثلًا 4 ساعات! ما سَتكونُ ردّة  فعلك ؟ هل ستصبر وتشكر ؟ أم ستجزع وتتسخّط ؟ ياربّ هَب لنا من لدُنكَ صبرًا و ارزقنا ذكركَ وشُكرك وحسن عبادتك .


غدًا ستتزوّجُ صديقتي ، وليست أيّ صديقة .

صَديقتي الّتي بقيَت مُلاصقةً بي على بعدنا الطّويل ، صديقتي الّتي لا تصفها الكلمات!

احترتُ ماذا أهديها كثيرًا! ياإلهي كم أزعجتُ صويحباتي وأنا أستجدي منهم أيّ فكرة ، تطيرُ الأفكار منّي عندما أفكّر عن شيءٍ يصفُ لكِ حجم السّعادةِ نفسها الّتي أشعرُ بها .

أتذكّر أوّل ليلةٍ علمتُ بها أنّكِ ستتزوّجين () يالله كم بكيتُ وبكيتُ فَرحًا تلكَ الليلة .

أتعجّبُ بأنني آثرت الصّمتَ والكتمان ، خلافًا لثرثرتي ” الّتي لا تُبقي ولا تَذر ”

ربّما استعنتُ لقضاءِ حاجتي – حُضوري – بالكتمان🙂

أو ربّما كنتُ أنانيّةً تحتفظُ بالسّعادةِ لنفسها! مم لا أفهمني أحيانًا كثيرة .

“شَطحت” كالعادة ، ويبدو أنني س”أشطح” كثيرًا هُنا !

ممم فكّرتُ في أن أهديكِ عطرًا، أحبّ دائمًا فكرةَ أن يتشابهَ الأصحاب بالرّوائح .

لكنّهُ طبعًا لن يَفي ، بالإضافة إلى أنّك أصبحتِ امرأة متزوّجة الآن فمؤكّدٌ بأنّ طاولتكِ ستكونُ مليئةً بها .

لكنني لم أكن سأتخلّى عن فكرة “الرائحة” عمومًا وكنتُ سأضعُ مع الهديّة بخورًا لكنّ الوقت لم يسعفني كالعادة:/ !

يالله! كنتُ أريدُ أن أهديكِ من كلّ شيء! عقدُ سهرة – شنطة جامعة – ساعة – عطر – بخور – وحتّى كنتُ أتمنّى أن أشتري لكِ طقم ” صحون” !!

لا أرى شيئًا يفي حجمَ فرحتي .

اليوم ستتزوّجين ، خائفةٌ أنا من الحضورِ أتعلمين ؟

أخافُ أن أعاملَ كغريبة! سيجرحني ذلكَ كثيرًا ،وخوفي الثّاني يدفعني للذهاب لأنني أتمنّى أن أقبّلَ رأسها وأعتذر عن كلّ شيء .

اليوم ستتزوّجين ، كم أتمنّى أن أتصلَ عليكِ الآن لأرى كيفَ هيَ أحوالك ؟

كيفَ هوَ قلبكِ الآن ؟ هل أنتِ خائفة ؟هل أنتِ قلقة ؟ كيفَ هيَ تجهيزاتك ؟ إخوتكِ ، مؤكّدٌ من أنّهم جهّزوا لكِ شيئًا فريدًا في آخر ليلةً لكِ معهم . أتمنّى أن أستمعَ لكِ فقط () أن أكونَ صديقة :”) !

يااااه كبرتِ يا صديقتي () يالله كم أفخرُ بمعرفتك ، كم أفخرُ بصديقةٍ مثلك () ،

كم أتمنّى أن يُمدّني الله بعمرٍ لأشهدَ على أولادك .

لأخبرهم كم كانت أمّهم عظيمةً في كلّ وقت ، كم كانت فَريدة ، كم كانت دُرّة ()

حديثٌ طويييلٌ لن ينتهي لكنني أفضّلُ كتمانه🙂 لن ينتهي ، لن يفي ، ومتأكّدةٌ من أنّه لن يصلَ كما أريد .

لذا سأريحكم من ثرثرتي وأحاولُ النّوم .

تُصبحونَ على يومِ الفرح – كما سميتهُ منذُ فترة –

تُصبحونَ على فرحٍ لا مثيلَ له ، فَرح الأحباب ()

تُصبحونَ على سَعدٍ و تيسير ()

تُصبحونَ على خَير .

وأصبحُ أنا على صَديقتي – بإذنِ الله –

أصبحُ على نَوالْ ()

تحديث : أتريدونَ أن تضحكوا قليلًا  ؟ لم أستطع النّوم :] ! و غّريت شاشة  الآيباد الخاصّ بي إلى الصّور الجميلة الّتي وضعتها فوق :] أعلمُ بأنني مجنونة :]

 


حَدثَ ذاتَ يومٍ دراسيّ، أنّ الدّكتورة طَلبت منّا بحثًا جماعيًّا مكوّنًا من ٥ أشخاص .

وَكانَ ذلكَ للأسف في منتصفِ الإختبارات ؛ بل وذروتها ربّما

مَاحَصل أنّنا تأخّرنا عن تَسليمهِ يومًا واحدًا فقط! 

وكنتُ أنا المُكلّفة بتسليمة ، ردّتهُ لي ولَم تَقبله!

ليسَ هذا هوَ موضوعنا اليوم ، لكن بالرّغمِ من أنّ الموضوعَ مرّ قبل شهر أو يَزيد ، إلّا أنني إلى الآن أتألّمُ من الإعراضِ الّذي جاء من الدكتورة ورفضهَا للعمل .

” علمًا بأنّي جلستُ أبكي إلى الليل من تأنيبِ الضّمير – لأنّ التأخير كانَ بسببي – وقوّةِ الصّفعة😦 “

كَانت تلكَ صفعةً جعلتني أفكّرُ بأشياءٍ أخرى!

ماذا عَن يومِ الحساب ؟ ماذا عن أعمالنا الّتي ربّما تُردّ على وجوهنا ؟ ونحنُ إن عَملنا في أغلبِ الأحيان – خصوصًا في العبادات الحياتيّة والتّعاملات – وكأننا سنُقبل بل سَنشكر أيضًا !

قبلَ فترة ؛

كنتُ أستمعُ إلى الدّكتور الرّوحاني علي أبو الحَسن في برنامج رتّب رمضانَك الخاص بالعام الفائت .

ذَكرَ أشياء كثيرة تَخص “التّمرة” وقت الإفطار ، أخذني هذا الإستشعار بكلّ التّفاصيل الصّغيرة – لدينا – الكبيرةِ عند – ربّنا سُبحَانه –  ، إلى التّأمّلِ فيَّ وَقتَ الإفطار .

هَل فكّرتُ يومًا بأنّ صيَامي ربّما يُردّ عليّ ؟

صحيحٌ أننا نحترزُ منَ السّبِ والشّتمِ والفسوق وقتَ الصّيام ونَدعو الله أن يتقبّل منّا .

لكنْ ، في لَحظةِ الأذان ، في اللحظةِ الأولى لدُخولِ التّمرةِ إلى فَمك ، اللحظةِ الّتي تُعلنُ فيها أنّ صيامكَ قد انتهَى لهذا اليوم ، الحدّ الفاصلُ بينَ القُبولِ والرفض .

هُنا يَجبُ أنّ نهتمّ ، هُنا يَجبُ أن نَخافَ أكثر!

هُنا يجبُ أن نبتهلَ أكثر لقبولِ صيامنا .

* اهتمّ للتفاصيل ، لا تجعَل أقلّ التّفاصيلِ تَفوتُ عنكَ في تَعامُلاتكَ معَ ربّك ؛

إن كُنّا نُحبّ أن نُشاركَ أصدقائنا التّفاصيل الصّغيرة ، فالله أحقّ وأعظمُ وأقرب – ولهُ المثَلُ الأعلى –

” اللهمّ بلّغنَا رَمضان غيرَ فاثدينَ ولا مَفقودين ” ()

وبمُناسبةِ الصّفَعات ، هذهِ صَفعةٌ أخرى ؛)

 http://jawharah.ws/myblog/?p=1234

لمَ  كَان منبعُ الرّسالة في الجزيرة العربيّة ؟ 
ولمَ  كانَ العرب هم المستهدفين الأوائل لحملِ الرّسالة ونشرها ؟ 

لم أفكّر بهذا من قبل ! إلّا  بعدما قرأتُ المدخَل والّذي يتحدّثُ عن الحِكَم المبطّنة في الإختيارات المناسبة لنشئةِ الرسالة وبدء نزولِ الوحي .
وبدايتها المكَان ، 

فغير * أنّ الجزيرة العربيّة كانت في وسطِ العالم القديم ، وتتميّز بالمركزيّة في الإتّصال بينَ الجهاتِ الأربعة المتبقيّة ( وفي ذلكَ سببٌ  مهمٌ ربّما لاحترافِ كثيرٍ من أهلها التجارة ) .
وأنّ فيها مكّة مهوى القلوب حيثُ البيتُ الحرام () .
وبما أنَّ الله حماها من أن تخضع لسلطان أحدهم أو عدوانه ، مما يعطي الداعي مجالًا طيّبًا للحركة ، ويعطي العرب حريّة أكثرَ في التفكير .
وطبيعتها الجغرافيّة مكوّنة من صحراء ، وللصحراء امتيازٌ على الحضر لبعدها عن الترف الّذي يوصل للهو والغفلة ، بينما الصحراء تفرض حياة الجد والتأمّل والكد على ساكنيها لتحصيل الكفاف .

 “ ورحمَ الله مالك بن نبي عندما العرب في تلكَ المرحلة بذرة الماء الّتي لم تدخلِ بعدُ إلى الشلّال ، فهي تحملُ في جوارحها قوّةً وتوتّرًا . بينما ذرّة الماء بعد الشّلال قد فقدت كلّ طاقتها ولا بدّ لتعريضها لمؤثّرات جديدة لشحنها

ولقد كانَ العربي في ذلكَ الوقت هو إنسانُ ماقبلِ الحضارة ، [ كَالمادّة الخام ] يمكنُ تصنيعها وتنظيم مافيها من طاقًات . وأمّا فارس والرّوم فقد كانوا في مرحلة مابعدَ الحضارة ، كالخردة المستهلكة المبعثرة .. 
فـلا عجَب أن يكونَ العرب هم المختارون

حسنًا ، ولمَ  ذاكَ الزّمان ؟ 

الجواب كان في أنّه قد مضى على آخر نبيّ في ذلكَ الحين مايقارب ستّة قرون ، ومؤكّد أنّ فيها قد حرّفت الأديان و ابتعدوا عن عبادةِ الله ! مما أدّى لاحتياج الأمّة إلى دينٍ يثبّت أقدامها بعيدًا عن الخوارق والشعوذات الّتي اعتادوا عليها في تلكَ الفترة .وعندَما نأتي لسببِ إختيارِ النبيّ وكيفيّة تيسير السبل لإعداده ، فالحديثُ هُنا يَطول !
واختصارًا سأدرجُ أهم النقاطَ المذكورة الّتي ذكرتها الكاتبة عن طريق ذكر الأرصدة الّتي كانَ يتميّز بها الرّسول .

أولًا : الرصيد في النسب
يقولُ الرسول صلوات اللهِ وسلامهُ عليه : (( إنّ الله ، عزّ وجلَّ ، اصطفَى كِنانة من وَلدِ اسماعيلَ ، واصطفى قريشًا من كنانَه ، واصطفى من قريش بني هاشم ، واصطفاني من بني هاشم ))

هذا الحديث يدلّنا على أنّ محمّد صلّى الله عليه وسلّم كانَ من أشارف قومه وأحسنهم نسبًا ،
ونرى أهميّة الوراثة في تحديد الشخصيّة .. والوراثة لها جانبان
١- وراثة بالنسب ( الجينات )
٢- وراثة ثقافيًة فكريّة يكتسبها المولود .
ويصفُ لنا ذلك كيفَ أعدّ النبي وكيفَ كُررَ اصطفاؤهُ مرارًا ! نسبًا وخلقًا حتّى كانَ محمدًا هوَ صفوةُ الخلق خلقًا وخُلقًاعليهِ أفضل الصلاة وأتمّ التسليم

وكَانَ العربُ يعُونَ تلكَ النقطة –رغمَ أميّتهم ! – وهيَ أثر النسب الحسن في الإنسان فيحترموا صاحبَ النسب الحسن .
فِحُسنُ نسبِ الرسول كانَ نقطة قوّة لأنّ هذا ماكانَ يناسب قومهُ وعصره . 

ثانيًا : رصيدٌ نفسيّ 
ولدَ يتيم الأب / أصبَح رضيعًا في بني سعدْ فـنشأ في الصحراء بعيدًا عن ضوضاءِ المدن وأجوائها الآسنة / عادَ من الصحراء ليعيشَ  معنى اليتمِ  من الأمّ والأبِ والجد ! / يُضمّ إلى عائلةِ عمّهِ أبو طالب ” كثيرِ العيالِ قليلِ الرزق ” وسرعانَ  مايحسّ  بضيقِ  ذاتِ يد عمّه فيشتغل  مساعدةً له .
وكَانَ أوّلَ ماشتغَلَ بهِ كَبقيّةِ الأنبياء “ رعي الغنم ” تعليمًا لهم كيف يرعون مصالح الناس ويسوسونهم ويحنونَ على ضعفائهم ويرعونَ مريضهم ويحرسونهم ويحموهم !
لقد كانَ تدريبًا رائعًا وموهلًا   قويًا لبدء الدعوة .

ثالثًا : رصيدٌ فكريّ 
كانًَ محمّدٌ عليه الصّلاةُ والسّلام يرى قومه يعبدونَ الأصنام لكنّه لم يتوجّه إليها حتّى في صغره ، فلقد كانَ يأبى عقلهُ أن يقدّس مالا يضرّ ولا ينفع !
حتّى أنّه كانَ يبغضها من صغره ، كانَ ذلكَ واضحًا في ردّهِ على الراهب عندما حلّفه باللّات والعزّى فقال له : ” لا تسألني بهما ، فما أبغضتُ شيئاً بغضي لهما ! ” 
وكانَ قد عرفَ عنه عندما اشتدّ عوده بالحكمة ورجاحةِ العقل ، ويظهر ذلكَ جليًّا في حادثةِ اختلافِ قبائلِ قريش على من يحملُ الحجرَ الأسود ، و قبولهم بحكمِ محمّدٍ صلّى الله عليه وسلّم .
هناكَ نقطةٌ مهمّة لم أفكّر بها من قبل ، وهي السببُ الخفيّ في أميّةِ الرّسولِ صلّى الله عليه وسلّم ؟
إنّه لمّا كانَ محمّدٌ يرفض الأصنام ولم يذعن لها ، لكن في نفس الوقت لم ينكر على اصحابها ولم ينتقدهم ، لأنّه لم يكن على اطّلاعٍ بالأديانِ الأخرى لأمّيته ، [ والحكمةُ البالغة في تلكَ الأميّة لكي لا يتّهمَ بأنّه اقتبسَ دينه من أديانٍ أخرى ! ]

الملخّص من ذلك هوَ أن الرسولَ صلّى الله عليه وسلّم كانَ يمتازُ برصيدٍ فكريّ قويّ وراسخٍ بشهادةِ من حوله .

رابعًا : الرّصيدُ الأخلاقيّ والإجتماعيّ 
لم يقَاربُ محمّد صلّى الله عليه وسلّم فاحشةً قط ! ولم يشربِ الخمرَ قط ! و كانَ كفّارُ قريش يستأمنونهُ على أموالهم ونفَائسِ أمورهم حتّى بعد نزولِ الرسالة ومعاداتهم له !! وكانوا يصدّقونَ كلّ كلمةٍ يقولها لأنّهم يعرفونَ أنه لن يكذب ! 

كانَ صلّى الله عليه وسلّم حلو المعشر عطوفًا محبوبًا إلى درجةِ عظيمة ! وإن تأمّلنا قولَ أمّنا خديجة رضيَ الله عنها عندما جائها الرسول يلتجئ إليها بعدَ نزولِ الوحي ” كلّا  والله لا يخزيكَ الله أبدا !! إنّكَ لتصلُ الرحم وتصدقُ الحديث وتحملُ الكلّ وتكسبُ المعدوم وتقري الضيف وتعينُ على نوائب الحق

حتّى أنّ  زيد بن حارثة رضوان الله عليه اختارَ أن يكونَ معَ محمّدٍ حتّى لو كانَ عبدًا !!

فبعدَ أن أغارت خيلٌ على قومهِ وأخذوه وهو طفل فبيعَ في الأسواق ووصلَ إلى خديجة ، فرآه النبي واعجبَ بهِ فوهبتهُ إيّاه ، وأبوه يبحثُ عنه إلى ان وصلَ إليه فعرض عليهِ أن يشتريهُ منه ، لكنّ محمدًا تركَ الخيار لزيد في أن يذهبَ مع أبيه أو يبقى عنده ، فاختارَ البقاء مع الرسولِ صلّى الله عليهِ وسلّم حتّى لو كانَ عبدًا !! فأعتقهُ الرّسول وتبنّاه ()

خلاصةُ القولِ أنّ الرسولَ صلّى الله عليه وسلّم كانَ يمتازُ برصيدٍ أخلاقيّ كبير ، كانَ ذلك من دَواعمِ الرّسالةِ الكُبرى الّتي لا تقبلُ الإنكسار .

خامسًا : رصيدُ العصبيّةِ القبليّة .
هُنا أنا استغربتُ كثيرًا ! فكيفَ  تكونُ العصبيّة القبليّة ” الّتي حاربها الإسلام ” رصيدًا حسنًا !!
لكن سُبحَانَ الله () لكلّ شيءٍ حكمة ، في الوقتِ ذاك كانت العصبيّة من أهمّ الأسبابِ الّتي حافظت على أمانِ الرّسولِ من بطش قريش ! فقد كانَ صلّى الله عليه وسلّم من أشرافِ قريش ومن بني هاشم الّذينَ كانَ العرب لا يجترؤونَ على الإعتداءِ عليهم !
ولا ننسى أنّ الحمية والعصبيّة القبليّة كانت سببًا مبدئيًا لإسلامِ حمزة بن عبد المطلب !

فـسُبحانَ من جَعلَ لكلّ شيءٍ سببا ()

وهذا الرّصيدُ  بجوانبهِ الخمسة كانَ  قاعدةً صلبة وقفَ عليها الرّسول صامدًا أمامَ تكذيبِ المشركين ، ودعّمت دعوته من نواحٍ جمّة () .

* الكتاب : هدي السيرة النبويّة في التغيير الإجتماعي – حَنان اللحام –