[١] { اللهُ أعلَمُ حيثُ يَجعَلُ رِسَالَتهُ }

Posted by: الاءْ ، on: 6 مايو 2011

لمَ  كَان منبعُ الرّسالة في الجزيرة العربيّة ؟ 
ولمَ  كانَ العرب هم المستهدفين الأوائل لحملِ الرّسالة ونشرها ؟ 

لم أفكّر بهذا من قبل ! إلّا  بعدما قرأتُ المدخَل والّذي يتحدّثُ عن الحِكَم المبطّنة في الإختيارات المناسبة لنشئةِ الرسالة وبدء نزولِ الوحي .
وبدايتها المكَان ، 

فغير * أنّ الجزيرة العربيّة كانت في وسطِ العالم القديم ، وتتميّز بالمركزيّة في الإتّصال بينَ الجهاتِ الأربعة المتبقيّة ( وفي ذلكَ سببٌ  مهمٌ ربّما لاحترافِ كثيرٍ من أهلها التجارة ) .
وأنّ فيها مكّة مهوى القلوب حيثُ البيتُ الحرام () .
وبما أنَّ الله حماها من أن تخضع لسلطان أحدهم أو عدوانه ، مما يعطي الداعي مجالًا طيّبًا للحركة ، ويعطي العرب حريّة أكثرَ في التفكير .
وطبيعتها الجغرافيّة مكوّنة من صحراء ، وللصحراء امتيازٌ على الحضر لبعدها عن الترف الّذي يوصل للهو والغفلة ، بينما الصحراء تفرض حياة الجد والتأمّل والكد على ساكنيها لتحصيل الكفاف .

 ” ورحمَ الله مالك بن نبي عندما العرب في تلكَ المرحلة بذرة الماء الّتي لم تدخلِ بعدُ إلى الشلّال ، فهي تحملُ في جوارحها قوّةً وتوتّرًا . بينما ذرّة الماء بعد الشّلال قد فقدت كلّ طاقتها ولا بدّ لتعريضها لمؤثّرات جديدة لشحنها

ولقد كانَ العربي في ذلكَ الوقت هو إنسانُ ماقبلِ الحضارة ، [ كَالمادّة الخام ] يمكنُ تصنيعها وتنظيم مافيها من طاقًات . وأمّا فارس والرّوم فقد كانوا في مرحلة مابعدَ الحضارة ، كالخردة المستهلكة المبعثرة .. 
فـلا عجَب أن يكونَ العرب هم المختارون

حسنًا ، ولمَ  ذاكَ الزّمان ؟ 

الجواب كان في أنّه قد مضى على آخر نبيّ في ذلكَ الحين مايقارب ستّة قرون ، ومؤكّد أنّ فيها قد حرّفت الأديان و ابتعدوا عن عبادةِ الله ! مما أدّى لاحتياج الأمّة إلى دينٍ يثبّت أقدامها بعيدًا عن الخوارق والشعوذات الّتي اعتادوا عليها في تلكَ الفترة .وعندَما نأتي لسببِ إختيارِ النبيّ وكيفيّة تيسير السبل لإعداده ، فالحديثُ هُنا يَطول !
واختصارًا سأدرجُ أهم النقاطَ المذكورة الّتي ذكرتها الكاتبة عن طريق ذكر الأرصدة الّتي كانَ يتميّز بها الرّسول .

أولًا : الرصيد في النسب
يقولُ الرسول صلوات اللهِ وسلامهُ عليه : (( إنّ الله ، عزّ وجلَّ ، اصطفَى كِنانة من وَلدِ اسماعيلَ ، واصطفى قريشًا من كنانَه ، واصطفى من قريش بني هاشم ، واصطفاني من بني هاشم ))

هذا الحديث يدلّنا على أنّ محمّد صلّى الله عليه وسلّم كانَ من أشارف قومه وأحسنهم نسبًا ،
ونرى أهميّة الوراثة في تحديد الشخصيّة .. والوراثة لها جانبان
١- وراثة بالنسب ( الجينات )
٢- وراثة ثقافيًة فكريّة يكتسبها المولود .
ويصفُ لنا ذلك كيفَ أعدّ النبي وكيفَ كُررَ اصطفاؤهُ مرارًا ! نسبًا وخلقًا حتّى كانَ محمدًا هوَ صفوةُ الخلق خلقًا وخُلقًاعليهِ أفضل الصلاة وأتمّ التسليم

وكَانَ العربُ يعُونَ تلكَ النقطة -رغمَ أميّتهم ! – وهيَ أثر النسب الحسن في الإنسان فيحترموا صاحبَ النسب الحسن .
فِحُسنُ نسبِ الرسول كانَ نقطة قوّة لأنّ هذا ماكانَ يناسب قومهُ وعصره . 

ثانيًا : رصيدٌ نفسيّ 
ولدَ يتيم الأب / أصبَح رضيعًا في بني سعدْ فـنشأ في الصحراء بعيدًا عن ضوضاءِ المدن وأجوائها الآسنة / عادَ من الصحراء ليعيشَ  معنى اليتمِ  من الأمّ والأبِ والجد ! / يُضمّ إلى عائلةِ عمّهِ أبو طالب ” كثيرِ العيالِ قليلِ الرزق ” وسرعانَ  مايحسّ  بضيقِ  ذاتِ يد عمّه فيشتغل  مساعدةً له .
وكَانَ أوّلَ ماشتغَلَ بهِ كَبقيّةِ الأنبياء “ رعي الغنم ” تعليمًا لهم كيف يرعون مصالح الناس ويسوسونهم ويحنونَ على ضعفائهم ويرعونَ مريضهم ويحرسونهم ويحموهم !
لقد كانَ تدريبًا رائعًا وموهلًا   قويًا لبدء الدعوة .

ثالثًا : رصيدٌ فكريّ 
كانًَ محمّدٌ عليه الصّلاةُ والسّلام يرى قومه يعبدونَ الأصنام لكنّه لم يتوجّه إليها حتّى في صغره ، فلقد كانَ يأبى عقلهُ أن يقدّس مالا يضرّ ولا ينفع !
حتّى أنّه كانَ يبغضها من صغره ، كانَ ذلكَ واضحًا في ردّهِ على الراهب عندما حلّفه باللّات والعزّى فقال له : ” لا تسألني بهما ، فما أبغضتُ شيئاً بغضي لهما ! “ 
وكانَ قد عرفَ عنه عندما اشتدّ عوده بالحكمة ورجاحةِ العقل ، ويظهر ذلكَ جليًّا في حادثةِ اختلافِ قبائلِ قريش على من يحملُ الحجرَ الأسود ، و قبولهم بحكمِ محمّدٍ صلّى الله عليه وسلّم .
هناكَ نقطةٌ مهمّة لم أفكّر بها من قبل ، وهي السببُ الخفيّ في أميّةِ الرّسولِ صلّى الله عليه وسلّم ؟
إنّه لمّا كانَ محمّدٌ يرفض الأصنام ولم يذعن لها ، لكن في نفس الوقت لم ينكر على اصحابها ولم ينتقدهم ، لأنّه لم يكن على اطّلاعٍ بالأديانِ الأخرى لأمّيته ، [ والحكمةُ البالغة في تلكَ الأميّة لكي لا يتّهمَ بأنّه اقتبسَ دينه من أديانٍ أخرى ! ]

الملخّص من ذلك هوَ أن الرسولَ صلّى الله عليه وسلّم كانَ يمتازُ برصيدٍ فكريّ قويّ وراسخٍ بشهادةِ من حوله .

رابعًا : الرّصيدُ الأخلاقيّ والإجتماعيّ 
لم يقَاربُ محمّد صلّى الله عليه وسلّم فاحشةً قط ! ولم يشربِ الخمرَ قط ! و كانَ كفّارُ قريش يستأمنونهُ على أموالهم ونفَائسِ أمورهم حتّى بعد نزولِ الرسالة ومعاداتهم له !! وكانوا يصدّقونَ كلّ كلمةٍ يقولها لأنّهم يعرفونَ أنه لن يكذب ! 

كانَ صلّى الله عليه وسلّم حلو المعشر عطوفًا محبوبًا إلى درجةِ عظيمة ! وإن تأمّلنا قولَ أمّنا خديجة رضيَ الله عنها عندما جائها الرسول يلتجئ إليها بعدَ نزولِ الوحي ” كلّا  والله لا يخزيكَ الله أبدا !! إنّكَ لتصلُ الرحم وتصدقُ الحديث وتحملُ الكلّ وتكسبُ المعدوم وتقري الضيف وتعينُ على نوائب الحق

حتّى أنّ  زيد بن حارثة رضوان الله عليه اختارَ أن يكونَ معَ محمّدٍ حتّى لو كانَ عبدًا !!

فبعدَ أن أغارت خيلٌ على قومهِ وأخذوه وهو طفل فبيعَ في الأسواق ووصلَ إلى خديجة ، فرآه النبي واعجبَ بهِ فوهبتهُ إيّاه ، وأبوه يبحثُ عنه إلى ان وصلَ إليه فعرض عليهِ أن يشتريهُ منه ، لكنّ محمدًا تركَ الخيار لزيد في أن يذهبَ مع أبيه أو يبقى عنده ، فاختارَ البقاء مع الرسولِ صلّى الله عليهِ وسلّم حتّى لو كانَ عبدًا !! فأعتقهُ الرّسول وتبنّاه ()

خلاصةُ القولِ أنّ الرسولَ صلّى الله عليه وسلّم كانَ يمتازُ برصيدٍ أخلاقيّ كبير ، كانَ ذلك من دَواعمِ الرّسالةِ الكُبرى الّتي لا تقبلُ الإنكسار .

خامسًا : رصيدُ العصبيّةِ القبليّة .
هُنا أنا استغربتُ كثيرًا ! فكيفَ  تكونُ العصبيّة القبليّة ” الّتي حاربها الإسلام ” رصيدًا حسنًا !!
لكن سُبحَانَ الله () لكلّ شيءٍ حكمة ، في الوقتِ ذاك كانت العصبيّة من أهمّ الأسبابِ الّتي حافظت على أمانِ الرّسولِ من بطش قريش ! فقد كانَ صلّى الله عليه وسلّم من أشرافِ قريش ومن بني هاشم الّذينَ كانَ العرب لا يجترؤونَ على الإعتداءِ عليهم !
ولا ننسى أنّ الحمية والعصبيّة القبليّة كانت سببًا مبدئيًا لإسلامِ حمزة بن عبد المطلب !

فـسُبحانَ من جَعلَ لكلّ شيءٍ سببا ()

وهذا الرّصيدُ  بجوانبهِ الخمسة كانَ  قاعدةً صلبة وقفَ عليها الرّسول صامدًا أمامَ تكذيبِ المشركين ، ودعّمت دعوته من نواحٍ جمّة () .

* الكتاب : هدي السيرة النبويّة في التغيير الإجتماعي – حَنان اللحام - 

رد واحد to "[١] { اللهُ أعلَمُ حيثُ يَجعَلُ رِسَالَتهُ }"

معلومات ثريّة، معظمها معلومات لم اعرفها من قبل
شكراً لك :)

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.